حسن الأمين
60
مستدركات أعيان الشيعة
ورابعا : إن قصة الخلاف بين أبي ذر وعثمان حول قضايا المال والفقر والغنى سابقة على ذهاب أبي ذر إلى الشام ، وعلى هذا اللقاء المزعوم بينه وبين ابن السوداء ، كما سيتضح ذلك - من الأحداث وترتيبها التاريخي - بعد قليل . . وهو أمر يهدم هذه الدعوى من الأساس ولذلك فنحن نميل إلى رأي الفريق الآخر من المؤرخين - المسعودي مثلا - الذي يصور الأحداث التي وقعت بين أبي ذر وبين عثمان ومعاوية باعتبارها أمورا طبيعية أثمرتها تطورات شهدتها حياة المجتمع يومئذ . . فهو مجتمع ، وهم بشر ، والأليق بهم النظر إليهم وإلى خلافاتهم وصراعاتهم في هذا الإطار وبهذا المنظار . الصدام مع عثمان ومعاوية في المدينة : كان أبو ذر قد اتخذ لنفسه سبيلا قرر أن لا يحيد عنها ، وهي الخروج من الدنيا فقيرا كحاله يوم ودع رسول الله ص عندما مات ، وكان دائم الترديد لحديث الرسول الذي يقول فيه : « إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها » . وعند ما كان أبو ذر يردد هذا الحديث ، كان ينظر إلى صحبه الذين أخذوا يجمعون الحظوظ من متاع الدنيا ، ويغمزهم ، ويقول لهم : « والله ما منكم أحد إلا وقد نشب فيها بشيء غيري ! . . » . . وكان أيضا دائم التحذير والإنذار للذين يجمعون الأموال ويصرفون في سبيلها جهدا كبيرا ، فيذكر لهم قول الرسول ص عن المكثرين من المال وكيف « أن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة » ، إلا من أنفق ما تحصل له من المال ذات اليمين وذات الشمال ، دون كنز أو إمساك أو احتكار . ولقد أخذت أقوال أبي ذر هذه ومواقفه تؤذي الكثيرين ، ورفعت إلى عثمان بن عفان العديد من الشكاوى ضد الرجل ، فاصدر عثمان ، أمرا إلى أبي ذر ينهاه فيه عن الجلوس « للفتوى » بين الناس . . ولكن أبا ذر عصى أمر عثمان ، واستمر في عقد المجالس للناس ، يروي فيها الأحاديث ويفتي فيما يعرض عليه من الأمور ، ويروي « ابن سعد » في طبقاته كيف وقف رجل على أبي ذر فقال له : ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا ؟ ! فقال له أبو ذر : والله لو وضعتم الصمصامة - ( السيف ) - على هذه ( وأشار إلى حلقه ) ، على أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله ص لأنفذتها قبل أن يكون ذلك ! « . ( 1 ) ولم يكن تصدي أبي ذر للفتيا بالأمر الذي يحدث فقط بعيدا عن عثمان ، بل وفي مجلسه وحضرته كذلك . . ولقد ثار النقاش والجدل يوما في مجلس عثمان حول أمرين يتعلقان بالأموال والثروات . . أولهما : خاص بما على الإنسان في ماله . . هل عليه الزكاة فقط ؟ أم ما هو أكثر من ذلك ؟ ! وثانيهما : مدى حرية الخليفة والسلطة الحاكمة في التصرف في أموال الدولة بالأخذ والإعطاء ؟ ؟ وكان رأي أبي ذر إلى جانب فرض ما هو أكثر من الزكاة في أموال الناس ، وضد إطلاق اليد لعثمان وولاته في التصرف بالأموال . . ووقف مع عثمان ، ضد رأي أبي ذر ، أناس تزعمهم « كعب الأحبار » الذي أغلظ له أبو ذر القول ، واستخدم ضده عصاه ، فدفع بها في صدر « كعب » ؟ ! وكان هذا الصدام أول موقف عنيف يقفه أبو ذر الغفاري من السلطة الممثلة يومئذ في عثمان بن عفان ، مما أدى إلى غضب عثمان منه وعليه ، فطلب منه مغادرة المدينة ، فخرج منها أبو ذر إلى الشام . . والمسعودي يحكي لنا ما حدث يومئذ في مجلس عثمان ، فيقول : « قال عثمان : أرأيتم من زكى ماله ، هل فيه حق لغيره ؟ ؟ فقال كعب : لا ، يا أمير المؤمنين . فدفع أبو ذر في صدر كعب ، وقال له : كذبت يا بن اليهودي . . ثم تلا : ( * ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ) * . . الآية ) . . فقال عثمان : أترون بأسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من أمورنا ، ونعطيكموه ؟ فقال كعب : لا بأس بذلك . فرفع أبو ذر العصا ، فدفع بها في صدر كعب ، وقال : يا بن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا ؟ ! فقال عثمان : ما أكثر أذاك لي ! ! غيب وجهك عني فقد اذيتنا . . فخرج أبو ذر إلى الشام . . « . ( 2 ) فهو إذا أول قرار يصدره عثمان بن عفان « بنفي » أبي ذر من المدينة . . ولم يحدد له عثمان المكان الذي يذهب إليه . . واختار أبو ذر الشام ، لحكمة لعلها أن الرجل قد كان يريد التشديد من حملته ضد التحولات الاجتماعية التي كانت آخذة في الظهور والتفشي يومئذ ، وصد من كان يرى انحرافهم من ولاة عثمان على الأقاليم ، وفي مقدمتهم والي الشام معاوية بن أبي سفيان . . فهو « نفي » عن المدينة العاصمة ، ولكنها رحلة ثائر إلى ميدان أكثر خطرا واحتياجا إلى الثوار . . في الشام وفي الشام وجد أبو ذر أن الأمر أخطر مما هو عليه في المدينة فلم تكن بساطة الحياة العربية هي الأمر السائد كما هو حال المدينة ، ولم تكن القاعدة هي الجماعية ، والمساواة ، والشذوذ هو الاستئثار والتفاوت في الثروات كما هو الحال في العاصمة . . وإنما كان العكس هو السائد في الشام . . فلقد كانت هذه الولاية قد تحولت إلى صورة « عربية إسلامية » لما كان عليه نظام الحكم ، أبهة وفخامة ، أيام قيصرية الرومان البيزنطيين . ولقد أتاح عهد عثمان لمعاوية في الشام أن يستكمل كل أبهة الملك : وأن يبلغ بالأمر كل المدى الذي أراد . . ووجد أبو ذر أن القضايا التي كانت لا تزال محل جدل في المدينة قد حسمت في الشام ، فلقد كان معاوية يتصرف في مال الامارة بحرية مطلقة ، ويسميه « مال الله » . . وكانت قد نبتت بذور ترى في الخليفة - ومن ثم في نوابه - ظلا لله في الأرض ، ومن ثم فإنهم أحرار في تصرفاتهم ، لا رقابة عليهم من البشر ولا قيود . . فاعترض أبو ذر على معاوية ، وطلب إليه أن يتصرف كامير قد وكلت إليه رعاية « أموال المسلمين » فهي لهم ، وهم أصحاب الأمر والنهي فيها ، وكان يعنف معاوية ويقول له : « يا معاوية . . لقد أغنيت الغني وأفقرت الفقير ! » . ومضى أبو ذر يحدث الأغنياء من الناس عن أن جمعهم للمال وحجبه عن مصارفه إنما هو « كنز » و « احتكار » وإذا كان القرآن قد وعد * ( ( الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) ) * بعذاب أليم ، فلقد أخذ أبو ذر يخطب في مجتمعات الشام ويقول : « يا معشر الأغنياء : واسوا الفقراء . . بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى
--> ( 1 ) طبقات ابن سعد ، ج 2 ، ق 2 ، ص 112 . ( 2 ) مروج الذهب ج 2 ، ص 348 ، 349 .